الحج: (رحلة إيمانية الى بلاد النور)
في مثل هذا الوقت من كل عام تهب نسائم الرحمة، وتفوح نفحات المغفرة، وتلوح في الأفق مشاهد البيت الحرام، حيث يشد الحجيج رحالهم إليه لأداء مناسك الحج في رحلة إيمانية إلى الأراضي الحجازية، بلاد النور، وأرض البلد الأمين .
هذه الرحلة الميمونة هي ارتحالٌ داخلي في حنايا النفس، وانعتاقٌ من أسْر الذات إلى فضاء الصفاء.
إنّها انتقال من ضجيج الدنيا إلى سكينة الملأ الأعلى، ومن ترف الحياة إلى لذة العبادة، ومن تعلّق القلب بما يفنى إلى ارتشاف الخلود ممّا يبقى.
حين يشدّ الحاج رحاله إلى الأراضي الحجازية إنما يحمل على كاهله ما تراكم من خطايا السنين، وما ران على قلبه من غفلات الأيام.
يطوي الفيافي ليرى الكعبة، ويؤدي المناسك، فيبعث قلبه من مرقد البلادة، وينهض وجدانه من مهد الغفلة، ليشهد مقام التوبة، ومحراب الصفاء.
كل خطوة إلى مكة إنما هي خطوة نحو الله، وكل نظرة إلى البيت الحرام، إنما هي انكشاف لحقيقة الإنسان حين يقف عاريًا من زخرف الدنيا أمام عظمة الخالق.
يطوف الحاج بالكعبة وكأنه يدور في فلك العبودية، متجردًا من اسمه ونسبه، وماله وزينته، فلا فضل هناك لعربي على أعجمي، ولا لغني على فقير.
يلبس الحاج الإحرام، وهو كفن الحياة المزيفة، ليولد في تلك اللحظة عبدًا خالصًا لا يعرف من الدنيا سوى الله تعالى.
وهنالك عند زمزم، تُسقى الأرواح من نبع اليقين، وتُغسل القلوب من درن الغرور، وكيد الشياطين.
وعلى صعيد عرفات، يقف الحاج خاشعًا، كأنما يُستدعى للعرض الأخير قبل الحساب. هنالك، لا تُسمع إلا همسات الدعاء، ولا تُرى إلا دموع الخشية، وكأن عرفات لحظة فاصلة بين ماضٍ يحمل الأوزار، ومستقبل ينفتح على المغفرة والرضوان، وكأن السماء تدنو لتسمع أنين القلوب، وكأن الملائكة تنساب بين جموع الداعين، تكتب الدعاء وتستغفر للراجين.
وعند رمي الجمار، يقذف الحاج شيطانه، ويرجم ضعف نفسه، ويدمغ أهواء قلبه، يرجمها ليتحرر، ليعود من الحج طاهرًا، كما وُلد أول مرة.
وعند نحر الهدي، يذبح كبش الأنانية ، ليخرج من نفسه، ويهدي قلبه قربانًا لطاعة ربه.
فإذا عاد الحاج إلى مكة بعد عرفات، وطاف طواف الإفاضة، كأنّ روحه تتهادى في محاريب النور، تطوف في موكب العابدين، تشاركهم الحنين إلى الغفران، وتذوب معهم في نشوة القرب من الرحمن.
هنالك بين الطائفين، يتساوى الناس جميعًا، وكأنما خلعوا بشريّتهم، ليتحدوا في عبادة الملِك الواحد الأحد.
يخطو الحجيج على أرض الحجاز الطاهرة، فتنعم أرواحهم بالسير على مهد النبوّة العبقة، وملتقى الأرواح الطاهرة.
في كل موضع هناك، ذاكرةٌ لدمعة نبي، أو دعاء وليّ، أو وقفة عبدٍ ناجى ربّه بقلب نقيّ.
بين جنباتها، تسري أنفاس إبراهيم، وزفرات إسماعيل، وابتهالات هاجر، وخطى محمد – عليه الصلاة والسلام – وهو يعلّم الناس كيف تُطهّر القلوب قبل الأجساد.
الحج يُعلّم الإنسان ألا يكون لذاته سلطان عليه، يُربّيه على الصبر، وعلى الانقياد، وعلى أن يرى في الزحام جمال الجماعة، وفي التعب نعمة السعي، وفي العراء دفءَ القرب من الله عزوجل.
إن الحج هو رحلة العمر التي يُعاد فيها تشكيل الروح، وتهذيب الجسد، فيها تُختبر النوايا، وتُختزل الحياة في لحظات من التجرد والتسليم.
فالحاج إذا عاد، عاد بروح أخرى غير التي خرج بها، عاد بسكينة لم يألفها، وبقلب نابض بنور الرضا، وكأنما مرّ بأنهار الجنة، وتشرّب منها ما يكفي ليحيا بقية عمره على صراط الله المستقيم.
وحين يعود الحاج إلى داره لا يعود كما كان، بل كما أراد الله له أن يكون: صفحة بيضاء، روحًا شفافة، قلبًا متصلًا بالسماء، ولسانًا لا يفتر عن الذكر.
يعود وقد طوى بأقدامه أرضًا، ولكن فتح في روحه سماءً.
يعود الحاج، وقد نفض عن قلبه غبار السنين، وسقاه الله من كوثر الرحمة، وألبسه رداء الطاعة.
يعود لا بجسد أرهقه السفر، بل بروح أحيتها المغفرة، وبقلب لا يزال يسمع صوت المناجاة فوق عرفات، وهدير الدعاء تحت أستار الكعبة.
لقد مرّ على مواطن الأنبياء، وسار في دروب الأولياء، فصار من بعدها نفسًا لا تعرف إلاطريق الطاعة، وقلبًا لا يحنُّ إلا إلى رضا الله عزوجل.



