عصمت رضوان ...القول السليم في نجاة أَبَوَي الرسول الكريم ﷺ
الحمد لله الذي شرَّف الكون بميلاد سيدنا محمد ﷺ، وجعل نسبه أطهر الأنساب، وسلسلته أزكى السلاسل..
وصلاةً وسلامًا دائمين على من اختاره الله من خير البيوت، وأخرجه من أطهر الأصلاب ،وأنقى الأرحام ، ليكون رحمةً للعالمين، وإمامَا للمرسلين..
أما بعد؛
فإن من دقائق المسائل التي أُثير حولها الجدل، مسألة نجاة والدَي النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: عبد الله بن عبد المطلب، وآمنة بنت وهب رضي الله عنهما. وهي مسألة ينبغي أن تُتناول بميزان العلم، ووقار الأدب، واستحضار مقام سيد الخلق ﷺ؛ إذ ليس الحديث فيها شأنًا تاريخيًّا مجردًا، بل هو متصلٌ بجناب النبي الأعظم، ومقامه الأسمى صلى الله عليه وسلم.
وقد استقرّ القول الحق عند جماهير المحققين من علماء الأمة، سلفًا وخلفًا، على نجاة والدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الذي عليه كلمة المذاهب الإسلامية الراجحة، وأقوالهم المعتبرة، وبه أفتى كبار الأئمة، وجرى عليه علماء الأزهر الشريف عبر العصور، وصدر به الإفتاء الرسمي في الديار المصرية، تحقيقًا وتقريرًا.
وقد نصّ غير واحدٍ من أهل التحقيق على أن من زعم خلاف ذلك فقد أخطأ خطأً بيّنًا، وآذى رسول الله ﷺ بمقاله، وإن لم يُحكَم بكفره؛ لأن المسألة ليست من ضروريات الدين التي يُكَفَّر المخالف فيها، لكنها من المواطن التي يتعيّن فيها كمال الأدب مع حضرة المصطفى ﷺ، واجتناب كل ما يوقع في إيذائه أو التنقّص من جنابه الشريف.
وقد استند العلماء في قولهم بنجاة والدي النبي صلى الله عليه وسلم على عدة أمور منها:
أولًا: موتهما قبل البعثة النبوية :
وذلك أن عبد الله وآمنة رضي الله عنهما ماتا قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم تبلغهما دعوة رسول قبله، ولا قامت عليهما حجة رسالة.
وقد قرر القرآن الكريم أصلًا عظيمًا من أصول العدل الإلهي، وهو أن العقاب لا يكون إلا بعد قيام الحجة وبلوغ الرسالة: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِینَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولࣰا)
[سُورَةُ الإِسۡرَاءِ: ١٥].
فمن مات قبل البعثة، ولم تصله دعوة نبي، فهو داخل في عموم هذا الأصل القرآني.
وعلى هذا قرر علماء الأمة أن أهل الفترة ناجون؛ لأن التكليف مشروط بالبلاغ، والمؤاخذة متوقفة على البيان، فكيف يُتصور أن يُعذَّب من لم يُدعَ، ولم يُنذر، ولم تقم عليه حجة؟
ثانيًا: طهارة الأصلاب ونقاء السلسلة النبوية:
ومن وجوه الاستدلال كذلك ما تقرر عند أهل العلم من أن الله تعالى نقل نبيه صلى الله عليه وسلم في أصلاب الطاهرين، ولم يجعله في سلالة مشركين متلبسين بالشرك والوثنية.
وقد فهم العلماء من قوله تعالى:{ وَتَقَلُّبَكَ فِی ٱلسَّـٰجِدِینَ } [سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: ٢١٩] _ أن تقلبه صلى الله عليه وسلم كان في الساجدين معناه في سلسلة موحِّدة غير عابدة للأوثان، فاستدلوا بذلك على أن آباءه وأجداده لم يكونوا من أهل الشرك الصريح، بل كانوا على الحنيفية السمحة، ملة إبراهيم عليه السلام، تلك البقية الباقية من نور التوحيد في ظلمات الجاهلية.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لَم أَزَل أُنقَلُ مِن أَصلَابِ الطَّاهِرِينَ إلى أَرحامِ الطَّاهِرَاتِ»، وقال أيضا _ عليه أفضل الصلاة والسلام _ : «أنا خِيارٌ مِن خِيارٍ».
وإذا كان الله قد اصطفاه من خير القرون، وأزكى البطون، وأطهر البيوت، أفلا يكون أبواه داخلَين في هذا الاصطفاء الإلهي، وهذا الانتقاء الرباني؟
ثالثًا: ما ورد في إحيائهما وإيمانهما:
وقد ذهب جمع من العلماء إلى أن الله تعالى أكرم نبيه صلى الله عليه وسلم بأن أحيا له أبويه حتى آمنا به، ثم أعادهما إلى البرزخ، واستندوا في ذلك إلى أحاديث متعددة، رأى بعض أهل الحديث أن مجموعها يقوِّي بعضُها بعضًا حتى تبلغ رتبة القبول.
وهذا القول وإن لم يكن محل اتفاق، إلا أنه مسلك علمي معتبر، سلكه أئمة أجلاء، ابتغاء صيانة جناب النبي ﷺ، وتحقيقًا لتمام كرامته.
ولله در الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي حين قال :
حبا اللهُ النبـــيَّ مزيد فضلٍ ...
على فضــــــلٍ وكان به رؤوفا
فأحيـــــــا أمّــــــــه وكذا أبـــــــــاه...
لإيمـــــانٍ به فضــــــلًا لطـــــــيفا
فسلّم فالقديـــــــم بذا قديرٌ ...
وإن كان الحديث به ضعيفا
وينبغي أن نعلم أنه في المسائل التي تمس مقامه الشريف يكون الأدب مع النبي ﷺ فوق كل جدل،
فإن مقام النبي صلى الله عليه وسلم أجلُّ من أن يُتناول بعباراتٍ جافة، أو بطرحٍ يُفضي إلى إيذائه ، والله تعالى قد شدّد في النهي عن أذيته، وجعل إيذاءه جرمًا عظيمًا:{ وَٱلَّذِینَ یُؤۡذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِیمࣱ } [سُورَةُ التَّوۡبَةِ: ٦١]. فكيف يُتساهل في مسألةٍ تمس والديه، وهما أحب الخلق إليه ؟
ولئن كانت المسألة من مسائل الخلاف العلمي، فإنها ليست ميدانًا للنقاش، ولا بابًا للمراء، بل هي موطن توقير وإجلال، ينبغي أن يُذكر فيه اسم والدي النبي ﷺ مقرونًا بالترضي، محاطًا بسياج الأدب، مكلَّلًا بإكبارِ قدر من انتسب إليهما خير البرية.
مع الإيمان بأن الاحتياط لمقامه الشريف صلى الله عليه وسلم مقدم على الانتصار لرأيٍ أو اجتهاد.
فالقول السليم، الذي تؤيده أصول الشرع، ويعضده جماهير المحققين، وتطمئن إليه القلوب المحبة لرسول الله ﷺ، هو القول بنجاة والدي النبي الكريم، عبد الله وآمنة رضي الله عنهما.
وهو قول يجمع بين نصوص العدل الإلهي، واعتبارات الاصطفاء الرباني، ومقتضيات الأدب النبوي.
فلنتقِ الله في ألسنتنا، ولنحفظ لمقام سيدنا محمد ﷺ حقه، ولنعلم أن من تمام الإيمان به، صيانةَ عرضه، وتعظيمَ نسبه، والإحسانَ في القول فيما يتصل به.
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.





