شعرية التنازع في مدائح المتنبي بين الأنا والآخر
د. محسن سيد يونس عثمان
أستاذ الأدب والنقد المشارك
كلية اللغات والعلوم الإنسانية
جامعة القصيم سابقا
ليس المتنبي شاعرًا يمكن أن تنتهي علاقتنا به عند حدود الإعجاب بشعره، أو الوقوف عند طرافة حكمته، أو الاحتفاء بقوة لغته وجزالة أسلوبه؛ فكلما ظنّ الدارس أنه أحاط بهذا الشاعر، انفتحت أمامه طبقة جديدة من طبقاته النفسية والفنية، وكأن شعر أبي الطيب فضاء لا يستنفد أسراره.
ولعل سرّ هذه الخصوبة أن المتنبي لم يكن شاعرًا يصف العالم من خارجه، وإنما كان يدخل في صراع دائم معه؛ صراع تتداخل فيه الذات بالآخر، والطموح بالواقع، والرغبة في الاعتراف بالرغبة في تجاوز الآخرين؛ ومن هنا تبدو "الأنا" في شعره أكثر من مجرد ضمير لغوي أو حضور ذاتي؛ إنها مشروع لإثبات الوجود، وصناعة المكانة، ومواجهة عالم لا يمنح الاعتراف بسهولة.
وفي المقابل، لا يظهر "الآخر" في شعر المتنبي بوصفه شخصية مستقلة عن الذات فحسب، بل بوصفه مرآة لها، ومقياسًا لقيمتها، ومجالًا تختبر فيه قدرتها على التفوق والحضور؛ ولذلك فإن قراءة مدائح المتنبي من زاوية العلاقة بين الأنا والآخر تكشف عن شعرية قائمة على التنازع، لا على مجرد التقابل.
من أبرز ما يلفت النظر في شعر المتنبي ذلك الحضور الكثيف للذات، غير أن "أنا" المتنبي ليست أنا ساكنة مطمئنة إلى موقعها؛ إنها أنا قلقة، طموحة، متوثبة، تسعى باستمرار إلى أن تجعل من الشعر وسيلة لإثبات القيمة، إنها (الأنا التي تريد أن تتجاوز حدودها).
إن المتنبي لا يكتفي بأن يكون شاعرًا في بلاط الممدوح، بل كثيرًا ما يحاول أن يجعل من ذاته طرفًا أساسيًا في المعادلة الشعرية، فالممدوح، على الرغم من مكانته وسلطانه، لا يستأثر وحده بمركز القصيدة؛ إذ سرعان ما تستعيد الذات الشاعرة حضورها، فتتحول القصيدة من مدح الآخر إلى مناسبة لإظهار الذات أيضًا؛ وهنا تتشكل إحدى المفارقات الكبرى في مدائح المتنبي: كيف يمدح الشاعر الآخر من دون أن يتراجع عن مركزية ذاته؟!
إنها معادلة دقيقة؛ فالممدوح يحتاج إلى الشاعر ليخلّد مجده، والشاعر يحتاج إلى الممدوح ليؤكد مكانته، لكن كل طرف يريد أن يحتفظ بمركزه الرمزي؛ ومن هنا تنشأ منطقة التوتر (هل الممدوح: آخرٌ أم مرآة للذات؟)؛ فقد يبدو الممدوح في القصيدة المدحية غايةً للمدح، غير أن القراءة المتأنية تكشف أنه يؤدي وظيفة أخرى؛ فهو في كثير من الأحيان وسيلة تتعرف الذات الشاعرة من خلالها إلى نفسها.
فحين يصف المتنبي ممدوحه بالقوة والشجاعة والكرم والعظمة، فإن هذه الصفات لا تظل محصورة في شخص الممدوح، وإنما تدخل في بناء عالم قيمي تتحرك فيه ذات الشاعر، وكلما ارتفع مقام الممدوح، أمكن للشاعر أن يرفع من مقام نفسه بوصفه القادر على اكتشاف هذه العظمة، وتصويرها، وصياغتها في لغة لا يقدر عليها غيره؛ وهكذا تصبح العلاقة بين الشاعر والممدوح علاقة تبادلية: الممدوح يمنح الشاعر موضوعًا للمدح، والشاعر يمنح الممدوح خلودًا شعريًا.
غير أن المتنبي لا يكتفي بهذا التبادل؛ إذ كثيرًا ما يبدو كأنه يعيد توزيع الأدوار داخل القصيدة، بحيث يصبح الممدوح موضوعًا للمدح، بينما تتحول الذات الشاعرة إلى قوة فاعلة في تشكيل صورة هذا الممدوح؛ وبذلك لا يكون "الآخر" خارج "الأنا" تمامًا، بل يصبح جزءًا من بنائها.
إن الحديث عن "التنازع" بين (الأنا والآخر) لا يعني بالضرورة وجود خصومة مباشرة بين الشاعر والممدوح، ولا يعني القطيعة،
فالتنازع هنا أوسع من الخصومة؛ إنه حركة مستمرة بين إثبات الذات وإثبات الآخر، وبين الرغبة في الاقتراب منه والرغبة في الاحتفاظ بالاستقلال عنه.
فقد يجتمع في القصيدة الواحدة الاعتراف بمكانة الممدوح مع تأكيد مكانة الشاعر، حتى يبدو المدح في بعض المواضع كأنه حوار غير معلن بين عظمتين: عظمة الممدوح وعظمة الشاعر الذي يستطيع أن يصفها؛ ولذلك فإن (الأنا) المتنبيّة لا تذوب في الآخر، كما أن (الآخر) لا يبتلع الذات؛ إنها علاقة شدّ وجذب؛ كلما اقتربت الذات من الآخر، سعت إلى إثبات خصوصيتها، وكلما رفعت من شأنه؛ وجدت نفسها مدفوعة إلى رفع شأنها بطريقة أو بأخرى.
لا يكتسب الآخر أهميته في شعر المتنبي من حضوره الشخصي فقط، وإنما من كونه يمثل تحديًا أمام الذات؛ فالممدوح صاحب سلطان، والخصم صاحب قوة، والمنافس صاحب مكانة، والمجتمع محكوم بمعايير الاعتراف والجاه والمنزلة، وفي مواجهة هذه العناصر كلها تتحرك الذات المتنبيّة محاولة أن تثبت أنها ليست أقل شأنًا من عالمها.
وهنا يمكن فهم جانب من تلك النبرة العالية التي تميز شعر المتنبي؛ فالفخر عنده ليس مجرد تعداد للمناقب، وإنما هو في كثير من الأحيان استراتيجية خطابية لمقاومة التهميش وإثبات الحضور؛ ومن ثم فإن صورة الذات لا تُفهم منفصلة عن صورة الآخر؛ لأن الذات لا تقول "أنا" في فراغ، وإنما تقولها أمام "أنت" أو "هو" أو "هم".
تتيح المدائح للمتنبي فرصة نادرة لإعادة صياغة علاقته بالسلطة، فهو يدخل فضاء الممدوح شاعرًا، لكنه لا يخرج منه تابعًا؛ لأن القصيدة تمنحه سلطة من نوع آخر: سلطة اللغة؛ فالممدوح يمتلك السيف والجيش والمال والجاه، بينما يمتلك الشاعر الكلمة، وبين السلطتين تنشأ علاقة معقدة.
إن المتنبي يدرك أن السلطة السياسية تستطيع أن تمنح الشاعر القرب والمكانة، لكنه يدرك في الوقت نفسه أن الشعر هو الذي يمنح السلطة السياسية في صورتها الخالدة في الذاكرة؛ ومن هنا يمكن النظر إلى المدح عند المتنبي بوصفه نوعًا من التفاوض الرمزي بين سلطتين: سلطة الممدوح الواقعية، وسلطة الشاعر اللغوية، وهذا التفاوض هو أحد منابع شعرية التنازع في قصائده.
فلا يمكن فهم هذه الظاهرة بعيدًا عن البنية النفسية للمتنبي، كما تكشف عنها قصائده، فالشاعر شديد الاعتداد بذاته، واسع الطموح، حساس نحو المكانة والاعتراف، وهي سمات تنعكس على طريقة بنائه لعلاقته بالآخر، لكن المقاربة النفسية لا ينبغي أن تتحول إلى محاكمة للشاعر أو إلى تشخيص لشخصيته من خلال النص وحده؛ وإنما يمكن الإفادة منها في قراءة الأنساق النفسية التي يكشف عنها الخطاب الشعري.
فالقصيدة تكشف عن ذات تسعى إلى الاعتراف، وتقاوم الإقصاء، وتعيد تعريف موقعها باستمرار؛ ولهذا تبدو "الأنا" المتنبيّة في حالة حركة دائمة: مرةً تتقدم، ومرةً تواجه، ومرةً تمدح، ومرةً تفخر، ومرةً تراقب الآخر لتعيد من خلاله تحديد صورتها.
فلم يكن هذا التنازع نتاجًا لعوامل شخصية فقط؛ فالمتنبي عاش في بيئة سياسية وثقافية شديدة التعقيد، كانت المكانة فيها مرتبطة بالسلطة والجاه والنسب والقرب من أصحاب القرار، وكان الشعر أحد أهم الأدوات التي يمكن من خلالها صناعة المكانة الرمزية؛ وفي هذا السياق يصبح الشاعر طرفًا في شبكة واسعة من العلاقات الاجتماعية والسياسية.
إنه يحتاج إلى الممدوح، لكنه لا يريد أن يفقد استقلاله؛ ويحتاج إلى الاعتراف، لكنه يريد أن يكون الاعتراف متناسبًا مع الصورة التي رسمها لذاته؛ ويدخل بلاط السلطة، لكنه يحمل معه سلطة اللغة وذاكرة الشعر؛ وهكذا يتفاعل الداخلي والخارجي: النفسية الفردية من جهة، والسياق الاجتماعي والثقافي من جهة أخرى.
وإذا انتقلنا من مضمون القصائد إلى طريقة تشكل الخطاب فيها، وجدنا أن التنازع بين الأنا والآخر لا يظهر في المعاني وحدها، وإنما يتجسد في بنية الخطاب نفسها؛ فالضمائر، وأفعال القول، وصيغ التفضيل، والمقابلات، والتضاد، والمبالغة، والانتقال بين ضمير المتكلم وضمير الغائب والمخاطب؛ كلها أدوات يمكن أن تكشف عن حركة الذات داخل النص.
إن انتقال الشاعر من الحديث عن الممدوح إلى الحديث عن نفسه ليس انتقالًا عرضيًا دائمًا، بل قد يكون علامة على إعادة ترتيب مراكز الخطاب، وكأن القصيدة تقول في أحد مستوياتها العميقة: (أنا أمدحك، لكنني في أثناء مدحي لك أقول شيئًا عني)؛ وهنا تكمن إحدى المفارقات الجمالية المهمة في مدائح المتنبي؛ فالآخر الذي يبدو موضوعًا للقصيدة يتحول تدريجيًا إلى أداة تكشف الذات.
ربما يكون من الأدق ألا ننظر إلى العلاقة بين الأنا والآخر عند المتنبي بوصفها صراعًا خالصًا أو تكاملًا خالصًا؛ بل ننظر إليها على أنها علاقة ثنائية مركبة تتجاور فيها عناصر متعددة: الإعجاب والمنافسة، الحاجة والاستقلال، الاعتراف والتجاوز، القرب والمسافة؛ وهذه التركيبة هي التي تمنح شعر المتنبي جانبًا كبيرًا من حيويته.
فالآخر لا يستطيع أن يغيب تمامًا؛ لأن غيابه يلغي المجال الذي تتحرك فيه الذات، وفي الوقت نفسه لا تستطيع الذات أن تستسلم له؛ لأن استسلامها يعني فقدان خصوصيتها؛ ومن هنا يصبح التنازع شرطًا من شروط إنتاج الشعرية نفسها.
لعل أحد أسباب استمرار المتنبي في إثارة اهتمام الدارسين أنه لم يكتب شعرًا منفصلًا عن أسئلة الإنسان الكبرى، فسؤاله عن نفسه يتمثل في الإجابة عن سؤال: (من أنا؟) وسؤاله عن الآخر يتمثل في الإجابة عن سؤال: (كيف يراني الآخر؟) وسؤال عن ذاته، يتمثل في الإجابة عن سؤال: (ما قيمتي في عالم لا يعترف بي إلا إذا أثبتُّ ذاتي؟) أسئلة كثيرة تتجاوز زمن المتنبي إلى الإنسان في كل عصر؛ ومن هنا فإن قراءة شعره من منظور الأنا والآخر لا تبحث فقط في شاعر عاش في القرن الرابع الهجري، وإنما تلامس بنية إنسانية لا تزال حاضرة في التجربة المعاصرة.
لقد كان المتنبي شديد الوعي بقوة الصورة التي يصنعها الإنسان عن نفسه، وبقوة الصورة التي يصنعها الآخرون عنه؛ ولذلك تحولت قصيدته إلى فضاء تتصارع فيه الصور: صورة الذات عن نفسها، وصورة الآخر عنها، وصورة الذات كما تريد أن يراها الآخر.
وخلاصة القول تتمثل في أن قراءة مدائح المتنبي تكشف من منظور "شعرية التنازع بين الأنا والآخر" عن بنية عميقة تحكم جانبًا مهمًا من خطابه الشعري، فالمدح عنده ليس فعلًا أحادي الاتجاه يتجه من الشاعر إلى الممدوح، وإنما هو فضاء تتفاعل داخله ذوات متعددة، وتتشكل فيه المكانة من خلال الاعتراف المتبادل والمنافسة الرمزية.
ومن خلال هذا التنازع تتضح ملامح شخصية المتنبي المركبة؛ فهو الشاعر الذي يمدح، لكنه لا يتوارى خلف ممدوحه؛ ويعترف بعظمة الآخر، لكنه لا يتنازل عن عظمته المتخيلة؛ ويقترب من السلطة، لكنه يحتفظ لنفسه بسلطة الكلمة؛ ولذلك فإن "الأنا" و"الآخر" في شعره لا يمثلان طرفين ثابتين، وإنما قطبان متحركان يعيد كل منهما تشكيل الآخر باستمرار.
ومن ثم كانت شعرية "التنازع بين الأنا والآخر" هي سرَّ خلود المتنبي؛ لأنه لم يجعل شعره مرآة للعالم فقط، بل جعله مرآة للذات، فذاته تصارع العالم، وتفاوضه، وتقاومه، وتحاول أن تجد لنفسها فيه مكانًا لا يشبه سواه، فالتنازع تحوَّل من موضوع شعري إلى شعرية قائمة بذاتها؛ شعرية تكشف أن المتنبي لم يكن يكتب عن الآخر فقط، وإنما كان يكتب عن ذاته كلما كتب عن الآخر، وأن الآخر في كثير من الأحيان، لم يكن سوى الطريق الذي عبرت منه الأنا المتنبيّة إلى نفسها.
المقالة تلخيص لبحث منشور في مجلة الخطاب الجزائرية
للدكتور: محسن سيد يونس عثمان/ أستاذ الأدب والنقد المشارك


