المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة: (قراءة في دلالات الحديث النبوي وفضائل الأذان)
الحمد لله الذي شرع لعباده شعائر الإسلام، وجعل الأذان شعارًا ظاهرًا لدينه، ونداءً خالدًا إلى توحيده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، خير من دعا إلى الهدى، وحث على الفضائل، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد،، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة»، وهو حديث صحيح انفرد بإخراجه الإمام مسلم عن الإمام البخاري، ورواه كذلك ابن ماجه في كتاب الأذان.
ويكشف هذا الحديث الشريف عن جانب من التكريم الإلهي الذي أعده الله تعالى للمؤذنين، الذين جعلهم أمناء على أعظم شعائر الإسلام، إذ يرفعون في كل يوم وليلة نداء التوحيد، ويعلنون دخول أوقات الصلاة، فتتعلق بأصواتهم قلوب أهل الإيمان، وتستجيب لندائهم الجوارح والأبدان.
وقد تناول العلماء قوله صلى الله عليه وسلم: (أطول الناس أعناقًا) بالتفسير والبيان، فذكروا فيه أقوالًا متقاربة المعنى، يجمعها أنها تدل على رفعة منزلة المؤذنين يوم القيامة :
فقال الإمام النووي رحمه الله: المراد أنهم أكثر الناس تشوفًا إلى رحمة الله تعالى؛ لأن من يترقب شيئًا عظيمًا يطيل عنقه إليه، فهم أكثر الخلق مشاهدة لنعيم الله وثوابه.
وقال النضر بن شميل: إن الناس يُلجمهم العرق يوم القيامة من شدة الموقف، فيطيل الله أعناق المؤذنين حتى لا يصيبهم ذلك الكرب. وقيل: إن المراد أنهم سادة الناس وأشرافهم؛ لأن العرب كانت تجعل طول العنق كناية عن السيادة ورفعة الشأن. وقال ابن الأعرابي: إن المراد كثرة أعمالهم الصالحة.
وروي الحديث أيضًا بلفظ: «إعناقًا» بكسر الهمزة، من (العَنَق) وهو السير السريع، أي أنهم أسرع الناس سيرًا إلى الجنة.
ولا تعارض بين هذه الأقوال؛ إذ يمكن حمل الحديث عليها جميعًا، فإنها جميعًا صور للتكريم والرفعة والنجاة، وهي معانٍ يعضد بعضها بعضًا، وتلتقي في بيان عظيم منزلة المؤذنين عند رب العالمين.
ومن أهم ما يستفاد من الحديث إثبات الفضل العظيم للأذان، وأنه من أجلِّ القربات وأعظم الطاعات؛ إذ اختص النبي صلى الله عليه وسلم المؤذنين بهذه المنقبة العظيمة دون غيرهم، وهو دليل ظاهر على علو مكانتهم يوم القيامة.
وقد يسأل سائل: إذا كان الأذان بهذه المنزلة، فلماذا لم يتولَّ النبي صلى الله عليه وسلم الأذان بنفسه؟ وقد أجاب العلماء عن ذلك بأجوبة متعددة، وأرجحها ما قرره الإمام القرطبي، واختاره جماعة من المحققين، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قائمًا بأعباء الإمامة العظمى، وتعليم الأمة، والقضاء بين الناس، وقيادة الجيوش، ورعاية مصالح المسلمين، فلم يكن يتفرغ لملازمة الأذان ومراقبة أوقاته، ولذلك أسند هذه المهمة إلى مؤذنيه، وفي مقدمتهم بلال بن رباح رضي الله عنه. ويؤيد ذلك ما روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «لو أطقت الأذان مع الخلافة لأذنت»، فدل ذلك على أن الذي منعه لم يكن قلة فضل الأذان، وإنما عظم المسؤولية التي تقلدها.
كما أنه لو أذن النبي ﷺ لأصبح الأذان أمرًا متحتمًا على كل فرد، ولكان في التخلف عنه مشقة عظيمة أو إثم كبير.
ولو أذن النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه لكان في ذلك شهادة للنفس، ولا يليق بمقامه صلى الله عليه وسلم أن يشهد لنفسه فيقول "أشهد أن محمداً رسول الله".
واستدل جمهور من أهل العلم بهذا الحديث على أن الأذان أفضل من الإمامة، وهو مذهب الحنابلة، والراجح عند الشافعية؛ لأن النصوص الواردة في فضل الأذان كثيرة وصريحة.
فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين»، فخص المؤذنين بالدعاء بالمغفرة، ووصفهم بالأمانة، وهي منزلة رفيعة.
ومن ذلك أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يسمع مدى صوت المؤذن إنس ولا جن ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة»، وقوله: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا»، وهي نصوص تدل على عظيم ما ادخره الله للمؤذنين من الأجر والثواب .
وفي المقابل ذهب الحنفية والمالكية، ووجه عند الشافعية، ورواية عند الحنابلة إلى أن الإمامة أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين كانوا أئمة ولم يكونوا مؤذنين، ولأن الإمامة لا يتولاها إلا الأكمل علمًا ودينًا.
وقد جمع ابن تيمية رحمه الله بين القولين جمعًا بديعًا، فقرر أن إمامة النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين كانت متعينة عليهم بحكم ولايتهم العامة، فلم يكن يمكنهم الجمع بينها وبين الأذان، أما في حق عامة الناس فإن الأذان أفضل؛ لكثرة النصوص الواردة في فضله، وعظيم ما رتب عليه من الأجور.
إن الأذان في الشريعة إعلام بدخول وقت الصلاة، إعلان متكرر لعقيدة التوحيد، وتجديد للعهد مع الله تعالى، ودعوة يومية إلى الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة. ولذلك عظَّم الإسلام شأن المؤذنين، وجعل أصواتهم شاهدة لهم يوم القيامة، ووعدهم بالمنزلة الرفيعة التي يغبطهم عليها الخلق أجمعون.
فطوبى لمن أخلص لله في هذه الشعيرة المباركة، واحتسب رفع النداء ابتغاء وجه الله، فإن الجزاء من جنس العمل، ومن رفع كلمة التوحيد في الدنيا رفع الله منزلته في الآخرة، وجعله من أهل الفضل والكرامة يوم يقوم الناس لرب العالمين. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
# عصمت رضوان #



