سماعات الغش محرمة شرعا وبيعها إعانة على الإثم

جعل الإسلام الأمانة من أجلِّ الفضائل، وأعظم الخصال، وأقام عليها صلاح الأفراد واستقامة المجتمعات، وأمر بأدائها في كل شأن من شؤون الحياة، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ . والامتحانات أمانة علمية وأخلاقية، يُختبر فيها الطالب ليُظهر حقيقة علمه وثمرة اجتهاده، لا ليبلغ النجاح بالحيلة والخداع.
ومن أخطر صور الغش في هذا العصر استخدام السماعات الإلكترونية الدقيقة التي تُخفى داخل الأذن لتلقِّي الإجابات من خارج قاعة الامتحان، وهي وسيلة تجمع بين الغش والكذب والخيانة، وتُضيِّع حقوق المجتهدين، وتُفسد مبدأ تكافؤ الفرص، وتُفرغ الشهادات من قيمتها العلمية.
وقد حسم النبي صلى الله عليه وسلم الحكم في ذلك بقوله: «من غشَّ فليس مني» رواه مسلم، وهو من أشد ألفاظ الزجر، لما في الغش من فساد للأخلاق واعتداء على حقوق الآخرين.
ولا يقتصر الإثم على الطالب الذي يستخدم هذه الوسائل، بل يشمل كل من يعينه عليها، من مُلقِّن أو وسيط أو منظِّم أو متستر، لأن الجميع قد اشتركوا في الإثم والعدوان.
قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ .
فكل مساهمة في إنجاح عملية الغش داخلة في النهي الإلهي، وصاحبها آثم بقدر مشاركته فيها .
كما لا يقف أثر الغش عند حدود الامتحان، بل يمتد إلى ما يترتب عليه من شهادات ودرجات ووظائف ومناصب وأموال؛ فإذا حصل الإنسان على شهادة لا يستحقها، ثم نال بها وظيفة أو راتبًا، أو ترقية فإن هذا كله مبني على سبب محرم، والكسب الناتج عنه مشوب بالحرمة؛ لأنه قام على التدليس والخداع، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ .
كما أن من تولى عملاً بغير كفاءة أضر بالمجتمع، وأفسد مصالح الناس، وحرم الأكفاء من حقوقهم.
ومن هنا كان بيع هذه السماعات أو تصنيعها أو الترويج لها بقصد استخدامها في الغش محرمًا شرعًا؛ لأنه من باب الإعانة على المعصية، وقد قرر الفقهاء أن «ما أدى إلى الحرام فهو حرام»، وأن الوسائل تأخذ حكم مقاصدها إذا غلب استعمالها في المحرم.
ومن ثم فإن المال المتحصل من الاتجار بهذه الوسائل مال خبيث لا بركة فيه، لأنه ثمن لما يعين على الإثم وييسر ارتكابه.
إن النجاح الحقيقي إنما يُنال بالعلم النافع والجد والاجتهاد، وما عند الله لا يُطلب بمعصيته، ومن صبر على مشقة التحصيل، واتقى ربه في امتحانه، بارك الله له في علمه وعمله ورزقه، وجعل لشهادته قيمة، ولنجاحه أثرًا طيبًا في الدنيا والآخرة.
أما من أسس مستقبله على الغش، فقد أقامه على باطل، ولا بقاء لبناء شُيِّد على الباطل، وسيقف بين يدي الله تعالى مسؤولًا عن كل ما اكتسبه بغير حق، قال سبحانه: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾.
هذه رسالة أوجهها إلى أبنائي وبناتي الطلاب قائلا لهم : اتقوا الله تعالى في أنفسكم، واجعلوا مراقبته سبحانه أعظم من مراقبة البشر؛ فإن من علم أن الله يراه استحيا أن يلقاه بذنب، أو يخون أمانة، أو يطلب النجاح بمعصية.
واعلموا أن الامتحان ساعات معدودة، أما أثر الصدق أو الغش فقد يبقى مع الإنسان سنوات، بل يلقاه يوم يقف بين يدي الله عز وجل.
اجتهدوا في طلب العلم، وخذوا بأسباب النجاح، وثقوا أن ثمرة التعب أحلى وأبقى من نجاح زائف بُني على الغش والخداع. ولا يحملنَّكم الخوف من الامتحان أو الرغبة في التفوق على الوقوع في الحرام، فإن الرزق والأعمار والنجاح كلها بيد الله، ومن ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه.
واحذروا الغش بكل صوره وأشكاله؛ فإنه يسرق البركة من العلم، والثقة من النفس.
كونوا قدوة في الصدق والأمانة، وافخروا بأن نجاحكم ثمرة جهدكم، لا ثمرة حيلة أو خيانة.
واعلموا أن شهادة حصلتم عليها بأمانة، وإن كانت درجاتها أقل، خير عند الله وعند الناس من أعلى شهادة نيلت بالغش والخديعة.
أسأل الله تعالى أن يبارك في جهودكم، وأن يرزقكم العلم النافع، والعمل الصالح، والنجاح الذي يرضيه.

