الإجابة .. عمّن قال بانتحار بعض الصحابة
أثار بعض المنتسبين إلى العلم مؤخرًا شبهةً مفادها أنّ بعض الصحابة –رضوان الله عليهم– قد أنهوا حياتهم بالانتحار، وهي دعوى تمسّ عدالة الجيل الأول الذي اختاره الله لصحبة نبيّه ﷺ، ونقل شريعته.
ولما كانت هذه المسألة ذات صلةٍ وثيقة بعلم الحديث، كان لزامًا الرجوع إلى النصوص الصحيحة، وفهمها في سياقها، مع الاستنارة بأقوال أهل العلم :
ينبغي ابتداءً التمييز بين ثلاث صور وردت في النصوص:
*حكايات عن أمم سابقة قبل الإسلام.
*وقائع حدثت في زمن النبي ﷺ لكنها صدرت من غير الصحابة (كالمنافقين).
*نصوص محتملة تحتاج إلى تفسير العلماء.
والخلط بين هذه الصور هو منشأ الإشكال.
**الأحاديث الواردة في الباب وتحليلها :
أولًا- حديث (رجل فيمن كان قبلنا):
ورد في الصحيحين عن جندب رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
«كان فيمن كان قبلكم رجلٌ به جرح، فجزع، فأخذ سكينًا فحزّ بها يده، فما رقأ الدم حتى مات، قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه، حرّمت عليه الجنة».
وهذا نصٌّ صريح في أن الحادثة وقعت في أمة سابقة، والنبي ﷺ إنما يرويها للعظة، ولا علاقة لها بالصحابة لا من قريب ولا من بعيد.
ثانيُا- حديث قاتل نفسه في غزوة خيبر:
والحديث مروىٌّ في صحيح البخاري وصحيح مسلم عن سهل بن سعد وأبي هريرة رضي الله عنهما:
وفيه أن رجلًا كان يقاتل قتالًا شديدًا مع المسلمين، فأصابه جرح، فلم يصبر، فقتل نفسه، فقال النبي ﷺ:
«هو من أهل النار»، ثم قال: «إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر».
ففي الحديث السابق بيّن النبي ﷺ حقيقة هذا الرجل، وأنه لم يكن من المؤمنين الصادقين، بل كان منافقًا، ولذلك حكم عليه بما حكم.
وقد صرّح الصحابة بعد ذلك بقولهم: «نشهد أنك رسول الله» لما انكشف لهم حاله.
قال ابن الجوزي في كشف المشكل: (هذا الرجل اسمه قزمان، وهو معدود في جملة المنافقين، وكان قد تخلف يوم أحد فعيره النساء وقلن له: قد خرج الرجال، ما أنت إلا امرأة، فخرج ...).
إذن: هذا الفعل لم يصدر من صحابيٍّ مستقيم الإيمان، بل من منافق مدّعٍ للإسلام.
ثالثًا _ (حديث الرجل الذي لم يُصلِّ عليه النبي ﷺ):
والحديث قد ورد في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه:
وفيه أن رجلًا قتل نفسه بمَشَاقِص، فلم يصلِّ عليه النبي ﷺ.(والمَشاقصُ: سِهامٌ عِراضٌ، واحدُها مِشْقَصٌ).
وهذا الحديث هو موضع الإشكال، وقد تناوله العلماء بالتفسير، حيث ذكروا عدة احتمالات، منها:
أن الرجل كان منافقًا، فلم يُصلَّ عليه لذلك.
أو أنه تأوّل في التداوي فأخطأ، فهلك.
ومع ذلك، فإن امتناع النبي ﷺ عن الصلاة عليه لا يعني بالضرورة إخراجه من الإسلام، بل قد يكون زجرًا وتأديبًا، كما ترك الصلاة على بعض العصاة.
** وبناءً على ما سبق يتضح أنه لا يوجد حديث صحيح صريح يدل على أن صحابيًا مؤمنًا معروفًا بعدالته قد انتحر.
فالحالات المذكورة إما أن يكون أصحابها من الأمم السابقة، أو من المنافقين،
أو من وقائع محتملة فسّرها العلماء بما لا يقدح في عدالة الصحابة.
ومن ثم فإن نسبة الانتحار إلى الصحابة بإطلاق هو تعميم غير علمي، ومخالف لمنهج أهل الحديث.
ثم إن العقل السليم يأبى أن يقع مثل هذا الفعل الشنيع من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين أثنى الله عليهم بقوله:
{رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ}، وهم الذين عاشوا في كنف النبي ﷺ، وتلقّوا عنه الإيمان والهداية.
فكيف يُتصوّر في حق من شهد التنزيل، وعاش مع الرسول ﷺ، أن يُقدم على فعلٍ يدل على اليأس المطلق؟!
بل الأصل فيهم الثبات، كما قال تعالى:
{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ}.
مما سبق يتبيّن أن دعوى انتحار بعض الصحابة لا تقوم على دليلٍ صحيح صريح، بل هي نتيجة سوء فهم للنصوص، أو إغفال لسياقاتها وشروحها.
والمنهج العلمي يفرض الرجوع إلى الأحاديث الصحيحة بفهم السلف، لا إلى الاستنتاجات المجتزأة.
نسأل الله أن يرزقنا الإنصاف في القول، والاتباع في الفهم، وأن يثبتنا على الحق في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.
اللهم آمين يارب العالمين..
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عصمت رضوان

