اليوم العالمي للمرأة: المرأة بين شعارات الإنسان وتكريم الرحمن

في يوم الثامن من شهر مارس في كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي للمرأة، حيث تتسابق الهيئات والمؤسسات في إصدار بيانات وتشريعات تُعلي من شأن المرأة، وتحتفي بإنجازاتها، وتطالب بتمكينها في مختلف الميادين.
وفي هذا اليوم تكثر الشعارات، وتتعالى النداءات المطالبة برفع الظلم عن المرأة، وإعادة الحقوق لها، وكسر القيود التي لا تزال تُكبّل النساء في بعض المجتمعات، وتطالب بمساواتها بالرجل في ميادين العمل والإنتاج، وإعطائها من الحقوق ما يدعم هذه المساواة.
والحقيقة أن يوم المرأة هذا لا يعدو كونه يومًا واحدًا في العام ، وأكثر ما يقال فيه لا يعدو كونه شعارات لا وجود لها على أرض الواقع.
بينما التكريم الحقيقي للمرأة لا ينبغي أن يكون لحظة موسمية، بل نهجًا دائمًا يتغلغل في نسيج القيم والأخلاق.
وهنا يتجلّى دور الشرع الحنيف ، ودعوته الخالدة لمنح المرأة تكريمًا لم تحظَ به من قبل .
لم يكن تكريم الإسلام للمرأة ترفًا فكريًا، ولا شعارًا يُرفع، بل كان تكريمًا مؤسسًا على العدل، منبثقًا من أصل الرسالة السماوية، ممتدًا إلى كل تفاصيل الحياة، لا يختزلها في يوم، ولا يربطها بمناسبة.
لقد كان تكريم الإسلام للمرأة تكريما ممتدا في كل وقت وحين..
فمنذ بزوغ فجر الإسلام، كانت المرأة حاضرة في صفحات العزة والمجد، فكرّمها دين الفطرة أمًّا، فجعل الجنة تحت قدميها، وكرّمها ابنةً، فأوصى بها خيرًا وجعل الجنة جزاءً لوالدها إن أحسن تربيتها، وكرّمها زوجةً، فجعل العلاقة بها ميثاقًا غليظًا، وكرّمها أختًا، فجعل صلتها بابًا للبر والتقوى.
لم تكن المرأة في الإسلام كائنًا هامشيًا، بل كانت شريكة في بناء الحضارة، وعاملاً فاعلاً في المجتمع.
سُطِّرت بأيديها أروع صفحات العلم، فكانت عائشة –رضي الله عنها– منارة للفقه والمعرفة، وكانت فاطمة - رضوان الله عليها- رمزا للزهد والطهر، وكانت خديجة_ رضي الله عنها _ مثالاً للذكاء والإخلاص.
في ساحة المعركة وقفت نسيبة بنت كعب تدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي ميدان الطب، كانت رفيدة الأسلمية تسعف الجرحى.
أما في الحقوق، فقد سبق الإسلام كل القوانين البشرية، فمنح المرأة حق التملك، وحق الإرث، وحق العمل بضوابط تحفظ كرامتها، وألزم الرجل بالإنفاق عليها، وجعل لها ذمة مالية مستقلة.
حتى في أدق تفاصيل الحياة، كان لها من التكريم ما يليق بإنسانيتها، فلا يُكرهها أحد على الزواج، ولا تُظلم في الطلاق، ولا يُمس حقها في التعليم وحرية الرأي.
لقد جاء الشرع الحنيف بمبدأ المساواة بيْن الذَّكر والأنثى في أغلبِ التكاليف الشرعيَّة، وأول تكليف كان لآدَم وحوَّاء على حدٍّ سواء: ﴿ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: ٣٥].
وعنْ أمِّ سلمة زوْج النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّها قالتْ للنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ما لنا لا نُذكر في القرآن كما يُذكر الرجال، قالتْ: فلم يَرْعُني - أي: يفزعني ويُفاجئني - منه يومئذٍ إلاَّ ونداؤه على المِنبر، قالت: وأنا أُسرِّح شعري فلففتُ شعري، ثم خرجتُ إلى حجرة من حجر بيتي، فجعلتُ سمعي عندَ الجريد - معناه: أنها رفعت رأسَها إلى جهة الجريد الذي هو سقْف المسجد إذ ذاك لقُرْب النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - منه وهو على المِنْبر؛ لكونه غيرَ مرتفع عن المنبر كثيرًا - فإذا هو يقولُ عندَ المنبر: ((يا أيُّها الناس، إنَّ الله يقول في كتابه: ﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾ إلى آخِر الآية ﴿ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: ٣٥])).
إن الإسلام لم يكرّم المرأة بعبارات منمقة ولا بشعارات جوفاء، بل أرسى قواعد تحفظ كيانها، وتُعلي من شأنها، وترفع عنها الظلم الذي كان جاثمًا على صدرها في عصور الجاهلية الأولى.
ومهما تنوعت صور التكريم في عصرنا الحديث، فإن المرأة لن تجد عدلًا أرحب، ولا إنصافًا أسمى، ولا مكانة أرفع مما أقرّه لها الإسلام.
فيا لها من مفارقة! يحتفل العالم بيوم المرأة مرة واحدة في العام، بينما الإسلام يحتفي بها في كل يوم، وفي كل موقف، وفي كل شأن من شؤون الحياة.
هو تكريم لا تحكمه الأيام، ولا تحدّه المناسبات، بل هو جزء من تشريع هذا الدين، ممتدٌ بامتداد الرسالة، خالدٌ خلود تعاليم السماء.
# عصمت رضوان #

