د.عصمت رضوان ..عام الحزن.. (بين محنة الفقد ومنحة الإسراء)

في السنة العاشرة من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، خيمت على قلب النبي الكريم سحابة من الحزن الشديد، إذ مرت عليه صلى الله عليه وسلم أحداثٌ شداد، وخطوب عظام آلمت القلب النبوي الرحيم، ومثلت محنةً شديدة الوقع في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
ففي ذلك العام، فَقَدَ صلى الله عليه وسلم اثنين من أقرب الناس إليه، ومن أشد المدافعين عنه: زوجه خديجة بنت خويلد، ونصيره عمه أبا طالب.
كان هذا العام من أشد الأوقات التي مرت عليه صلى الله عليه وسلم، حتى عُرف في سيرته الشريفة بـ"عام الحزن".
أما خديجة ( رضي الله عنها) فقد كانت نصيره في الداخل، وملجأه في النوازل، كانت زوجه الوفية، ومأواه الآمن الذي يلجأ إليه كلما أثقلته أعباء الدعوة، وأطبقت عليه قسوة الأيام.
كانت أول من آمن به، وأول من سكن قلبه، وأول من واساه في شدائده.
حين كان يعود إلى بيته، مثقلاً بما يلقى من تكذيب قومه وأذاهم_ كانت خديجة بحنانها ورجاحة عقلها، تزرع الطمأنينة في نفسه، وتردد بثباتها الذي لا يتزعزع: "كلا، والله لا يخزيك الله أبدًا".
فحين ارتفعت روحها الطاهرة إلى بارئها، وجد النبي نفسه وحيدًا في بيته، فقد انطفأ النور الذي كان يضيء ظلمات الحياة، وغاب الصوت الذي كان يخفف عن قلبه أثقال الملمات.
وأما أبو طالب فقد كان الحصن الحامي والسور الواقي في الخارج، كان درع النبي صلى الله عليه وسلم في مواجهة قريش وعنتها وتسلطها.
لم يكن أبو طالب مسلمًا، لكنه أحب ابن أخيه حبًّا فاق الوصف، وظل طيلة حياته يدافع عنه، ويتحمل في سبيله صنوف العنت والمشقة.
كان موقفه من النبي سياجًا يحمي الدعوة من بطش قريش، فقد كانت قريش تخشى التعرض للنبي ما دام أبو طالب حيًّا.
ولكن حين مات أبو طالب، شعر النبي صلى الله عليه وسلم بأن مكة قد أغلقت أبوابها في وجهه، وازدادت وطأة الأذى، حتى بلغ به الحال أن يخرج إلى الطائف يبحث عن مأوى لدعوته، لكنه قوبل بالجحود والإيذاء، وعاد منها وقد سال دمه الطاهر على قدميه الشريفتين، فلجأ إلى الله تعالى شاكيا ضعف قوته، وقلة حيلته، وهوانه على الناس.
وبعد هذه المحنة الشديدة تأتي المنحة الإلهية، ويكون العطاء الرباني برحلة الإسراء والمعراج، تلك الرحلة التي كانت نور الفرج بعد ظلمة الشدة.
ففي وسط تلك الغمامات الثقيلة تجيء الهبة الإلهية بتلك الرحلة التي كانت تكريمًا من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، وتسرية عن قلبه المثقل بالأحزان.
في الإسراء، أُسري بالنبي من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، حيث جمع الله له الأنبياء، فصلى بهم إمامًا، في مشهد يحمل دلالة واضحة على مكانته عند الله، وعلى وراثته رسالة الأنبياء جميعًا، هذا المشهد الذي طمأن قلب النبي المحزون، وآنس روحه، وثبت فؤاده.
ثم عُرج به إلى السماوات العلا، حيث بلغ سدرة المنتهى، وحيث رأى من آيات ربه الكبرى ما لم تره عين بشر، وحيث فُرضت الصلاة، تلك العبادة التي صارت صلةً دائمة بين العبد وربه، تثبت قلوب المؤمنين، كما ثبتت قلب النبي صلى الله عليه وسلم في أحزانه.
لقد كان عام الحزن درسًا خالدًا في الصبر والثبات، أظهر فيه النبي صلى الله عليه وسلم الصمود والقوة والجلَد، ليعلمنا كيف يواجه الإنسان المحن بشجاعة الإيمان، وكيف يلجأ إلى ربه عندما تضيق به الأرض بما رحبت.
كما كان في الإسراء والمعراج إشارة واضحة إلى أن مع العسر يسرًا، وأن الله لا يترك عبده المؤمن، بل ينير طريقه بالنور في أحلك الظلمات.
لقد علمنا عام الحزن أنه من رحم الشدة يولد الفرج، وأن الله عزوجل حين يغلق أبواب البشر، يفتح لعبده أبواب السماء.
وهكذا خرج النبي من تلك المحنة أشد قوة، وأكثر ثباتا، وأمضى عزمًا على المضي في دعوته، ليخط للعالم بأسره طريقا من الإيمان والنور والهداية .
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

